الأربعاء - 28 يناير 2026 - الساعة 02:48 م بتوقيت اليمن ،،،
ىن من ممارسة تجارية إلى وسيلة اجتماعية للتكافل والتخفيف من معاناة الناس في ظل أزمة معيشية خانقة يعيشونها.
يحضر نظام البيع بالدَّيْن في جميع الأنشطة التجارية في مختلف محافظات اليمن على اختلاف أشكالها ومسمياتها،
سواء البقالة، أو الصيدلية، أو المكتبة، أو الكافتيريا، كما يحضر "دفتر الديون" باعتباره وثيقة قانونية واجتماعية ملزمة ناتجة عن الحرب المستمرة في البلاد منذ أكثر من عشر سنوات.
ويُعدّ الدَّيْن أحد أبرز صور العلاقات الاجتماعية التي تعزّز قيم الترابط والتكافل المجتمعي، وهو يساهم في حماية النسيج الاجتماعي وتعزيز تماسكه باعتباره ممارسة يومية يكافح عب
رها اليمنيون أوجاع الفقد المتعددة، سواء فقدان الدخل، أو الرواتب، أو تآكل الشعور بالأمان الاقتصادي والاجتماعي، وصولاً إلى فقدان الدولة وخدماتها.
ولا يعد الدّيْن ترفاً أو خياراً ثانوياً في اليمن، بل أحد ضروريات استمرار الحياة، وقد أصبح وسيلة أساسية في التعاملات القائمة على البيع والشراء، في حين تحوّل الشراء النقدي إلى استثناء، ما يدفع اليمني إلى الحرص على نسج علاقات اجتماعية متينة مع صاحب البقالة، وبائع الخضروات، والصيدلي، وحتى بائع القات.
واللافت أن الاستدانة لا تتم عبر مؤسسات رسمية أو عبر البطاقات البنكية، بل من التاجر نفسه، وغالباً ما يكون صاحب بقالة الحي، باعتبارها الرئة التي تسمح للأسرة بالبقاء على قيد الحياة في معركة توفير الحد الأدنى من المواد الغذائية الضرورية، وفي مقدمتها الدقيق، والأرز، والسكر، والزيت، والعدس، والفاصوليا، وأحياناً الحليب المجفف للأطفال، بل والخبز.
ويجعل نظام الاستدانة الشائع من البائع أكثر من مجرد تاجر يسعى إلى تحقيق ربح مالي؛ إذ غدا فاعلاً اجت
ماعياً يتحلى بالثقة والصبر والمجاملة، وهو يتحمل خسائر مؤجلة بينما يغامر داخل اقتصاد شديد الهشاشة. وهناك ضوابط غير مكتوبة تنظم الأمر بوصفه سلوكاً، أبرزها معرفة التاجر بطالب الاستدانة، وأفراد أسرته، ومقر سكنه، ووظيفته أو مصدر رزقه، فضلاً عن مواعيد صرف الرواتب، والتي تُعد موعداً محتملاً للسداد، ولو جزئياً، للمبالغ المسجلة في دفتر الديون.
يقول الموظف الحكومي طلال الصهيبي لـ"العربي الجديد": "نعيش في اليمن بالبركة، فراتبي لا يتجاوز 100 ألف ريال (نحو 61 دولاراً)، ولذا كان لا بد أن أبني علاقة جيدة مع صاحب البقالة، ومع أصحاب الصيدلية، كي يوافقوا على أن أستدين منهم الاحتياجات الأساسية مثل الدقيق والسمن والسكر، وكذلك الأدوية في حال مرض أحد أفراد الأسرة. أغلب الأسر في اليمن تعيش على الاستدانة في ظل وضع معيشي صعب. إنها ضرورة فرضها غياب السيولة النقدية".
ويقول عمرو عبد الله، وهو صاحب بقالة، لـ"العربي الجديد": "يمثل البيع بالدَّيْن أكثر من 70% من نشاطنا اليومي، وأي تاجر يفتح محلاً عليه أن يضع في اعتباره أنه سيبيع بالدَّيْن أكثر مما سيبيع نقداً. يسمح الجميع بالاستدانة مراعاة لظروف الناس، وهذا واجب أخلاقي وديني بالدرجة الأولى، إذ لا يجوز رد محتاج يطرق بابك ما دمت تعرفه، لأن معرفته تمثل ضماناً للسداد، والعوض من الله. لو قرر التاجر البيع نقداً فقط فلن يبيع شيئاً، وسيخسر معظم زبائنه".
وغالباً ما يقتصر البيع بالدَّيْن على المواد والسلع الضرورية، في حين تُستثنى الكماليات من ذلك، ما يضفي على نظام الاستدانة طابعاً أخلاقياً باعتباره مرتبطاً بالضرورة التي تستجيب لها إنسانية البائع. ويتجلى البعد الإنساني لهذا النظام بشكل أوضح لدى أصحاب الصيدليات، إذ يكون طالب الدواء في ذروة حاجته لإنقاذ حالة مرضية أو
تخفيف ألم، ما يجعل الدَّيْن مرتبطاً مباشرة بالحياة، وتزداد الحساسية الإنسانية عند طلب أدوية خاصة بالأطفال أو بحالات مرضية حرجة.
طرقت أم رأفت باب إحدى صيدليات مدينة تعز بخجل وانكسار، ولأنها لا تعرف صاحب الصيدلية، بادرت بخلع خاتم زواجها وعرضه رهناً مقابل الحصول على دواء طفلها المصاب بالصرع، وأمام دموعها، لم يجد الصيدلي سوى منحها الدواء بالدَّيْن، بعدما أعاد إليها خاتمها.
ويقول صاحب الصيدلية جلال صفوان لـ"العربي الجديد": "لا أشترط سوى أن يكون طالب الدواء معروفاً لديّ كي أمنحه العلاج بالدَّيْن. يصعب أن أرد شخصاً جاء طلباً لتخفيف ألم، فمعظم الأدوية التي نبيعها بالدَّيْن هي أدوية الأمراض المزمنة، كالضغط والسكري والربو، إضافة إلى أدوية الأطفال، والمسكنات، والمضادات الحيوية. يضعنا هذا أمام خيارين مرّين، إما رفض البيع وتعريض حياة مريض للخطر، أو المجازفة بعدم القدرة على تجديد مخزون الصيدلية".
وقد يلجأ بعض التجار إلى فرض ضوابط صارمة على البيع بالدَّيْن لتفادي الخسائر التي قد تقود إلى إغلاق المحال وإعلان الإفلاس، من بينها تحديد سقف مالي لكل زبون يتناسب مع دخله الشهري. بينما تُعد سمعة الزبون رأس ماله الحقيقي، إذ كلما كان أكثر التزاماً بالسداد، كلما زادت ثقة التجار به واستعدادهم لفتح حساب دَيْن خاص باسمه في دفاترهم.
يقول الباحث الاجتماعي أسامة زيد لـ"العربي الجديد": "أعاد الدَّيْن تشكيل العلاقات الاجتماعية، ووسّع دوائر التعارف بين أبناء المجتمع، وساهم في تشبيك هذه العلاقات وتقويتها، حتى تحولت البقالة وبسطة الخضروات والصيدلية إلى مؤسسات اجتماعية غير رسمية، كما أسّس الدَّيْن شكلاً جديداً من اقتصاد السوق غير المقنن، يقوم أساساً على انتظار السداد".
ويضيف زيد: "بالنسبة للدائن والمدين على حد سواء، لم يعد الدَّيْن خياراً، بل سلوكاً قسرياً يمثل محاولة أخيرة للبقاء؛ فالتاجر الذي ير
فض البيع بالدَّيْن يخسر زبائنه ويعرّض تجارته للإفلاس، والمواطن الذي يلجأ إليه يراه ضرورة لا مفر منها للعيش في ظل واقع بالغ السوء. بالمحصلة، يبقى الدَّيْن مشكلة للطرفين، لكنه في الوقت نفسه خياراً إلزامياً فرضته ظروف قاهرة".
المصدر:عدن تايم