الثلاثاء - 07 يوليو 2026 - الساعة 08:11 م
في كل عصر يظهر من يبيع الوهم؛ لكن أخطر الأزمنة هو الزمن الذي يصبح فيه الوهم أكثر انتشارا من الحقيقة، وتصبح الدعاية أعلى صوتا من الدليل، وتصبح الشهرة في نظر كثير من الناس برهانا؛ ولو خلت من كل برهان.
هذه ليست أزمة معلومات، بل أزمة وعي. ولعل من أكثر المشاهد إيلاما أن ترى أمة كانت أول كلمة نزلت عليها من السماء هي: "اقرأ"، ثم تجد بعض أبنائها يصدقون كل ما يقرؤون، وينشرون كل ما يصل إليهم، دون سؤال، ودون تثبت، ودون أن يخطر ببال أحدهم سؤال القرآن الخالد: أين البرهان؟
لقد تغيرت موازين كثيرة في حياتنا. فلم يعد بعض الناس يزنون الأفكار بميزان الدليل؛ بل بعدد المتابعين، ولا يقيسون صدق المتحدث بما يملك من علم؛ بل بما يملك من قدرة على الإقناع، ولا يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عما يوافق رغباتهم ويمنحهم شعورا سريعا بالفخر والانتصار.
ولهذا أصبحنا نرى بين الحين والآخر من يدعي اكتشافا يغير العالم، أو علاجا يقلب الطب رأسا على عقب، أو نظرية تهدم كل ما عرفه العلماء، فتتلقف الجماهير هذه الادعاءات بحماسة، وتتناقلها آلاف الصفحات، ويصبح صاحبها في أيام قليلة بطلا قوميًا؛ قبل أن يسأله أحد: أين البحث؟ وأين التجربة؟ وأين شهادة أهل الاختصاص؟
وللمشكلة ليست في وجود المدعين؛ فالتاريخ لم يخلُ منهم يوما، وإنما المشكلة حين يصبح المجتمع نفسه مصنعا لصناعة الأبطال الوهميين، فيمنح الثقة؛ قبل البرهان، ويمنح التصفيق؛ قبل التحقق، ويرفع الأشخاص فوق أقدارهم حتى تصبح مناقشتهم تهمة، ومطالبة الناس لهم بالدليل نوعا من الحسد أو التشكيك.
والمؤلم أكثر أن هذه الظاهرة لا تقتصر على مجال واحد؛ فهي تمتد إلى الطب، والغذاء، والاقتصاد، والتربية، والدين، والتنمية البشرية، وحتى إلى القضايا الفكرية والعلمية الكبرى. وكأننا أصبحنا نبحث عن معجزة تختصر علينا سنوات الدراسة، وعن بطل يحقق لنا ما عجزنا عن تحقيقه بالعمل.
وربما يكمن وراء ذلك شعور دفين بالهزيمة الحضارية؛ فعندما تشعر أمة بأنها تأخرت عن ركب الحضارة؛ قد تبحث -من حيث لا تشعر- عن قصص استثنائية تعوض هذا الشعور، فتتشبث بأي خبر يمنحها إحساسا بالتفوق، حتى لو كان مجرد ادعاء لا يسنده دليل.
لكن الحضارات لا تُبنى بالأمنيات، ولا تنهض بالشعارات، ولا تتقدم بالدعاية. الحضارات تُبنى في المدارس قبل المنصات، وفي المختبرات قبل الشاشات، وفي المكتبات قبل قاعات التصفيق.
ولهذا كان الإسلام حاسما في هذه القضية منذ أول يوم. فلم يجعل الحق تابعا للأشخاص؛ بل جعل الأشخاص تابعين للحق. ولم يجعل الشهرة دليلا، ولا الكثرة حجة، وإنما جعل البرهان هو الفيصل؛ فالقرآن لا يناقش دعوى إلا ويطالب صاحبها بالدليل، حتى أصبحت عبارة: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ منهجا حضاريًا قبل أن تكون آية تتلى.
ومن هنا نشأت أمة كانت تؤسس علومها على الإسناد، وتبني أحكامها على البينة، وتراجع الروايات، وتمتحن الأخبار، حتى قال علماؤها قديما: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.
هذه الروح النقدية هي التي صنعت الحضارة الإسلامية في عصور ازدهارها، وهي التي أنتجت علماء لم يكتفوا بحفظ ما سبقهم؛ بل اختبروا، وجربوا، وأضافوا، وصححوا، حتى أصبحوا مرجعًا للعالم كله.
أما حين تضعف قيمة الدليل؛ فإن الخرافة تزدهر، ويضعف احترام العلم، ويصبح الكلام بديلا عن الإنجاز، وتتحول الشهرة إلى سلطة، ويُترك أصحاب المختبرات والمكتبات في الظل؛ بينما تتجه الأضواء إلى من يجيد صناعة الإثارة.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تقتل الحقيقة فقط؛ بل تقتل الأمل أيضا. فهي تُقنع الشباب بأن النجاح يمكن أن يتحقق بالكلمات الرنانة؛ لا بالجهد، وبالظهور الإعلامي؛ لا بالصبر، وبالادعاء؛ لا بالإتقان. وهذا هو الطريق الأسرع إلى صناعة جيل يحب النتائج؛ لكنه يكره الطريق إليها.
إن الأمة التي تريد مستقبلا مختلفا لا تحتاج إلى مزيد من صانعي الضجيج؛ بل تحتاج إلى صانعي الإنجاز. تحتاج إلى تربية أبناءها على السؤال؛ قبل التصديق، وعلى التفكير؛ قبل التقليد، وعلى احترام المتخصصين، وعلى التفريق بين الرأي والدليل، وبين الفرضية والحقيقة، وبين الشهرة والكفاءة. وتحتاج كذلك إلى أن تعيد الاعتبار للعلماء الحقيقيين، أولئك الذين يقضون أعمارهم في البحث والتجربة والعمل الصامت، فلا يظهرون كثيرا؛ لكن آثارهم تبقى طويلا.
وفي زمن أصبحت فيه ضغطة زر قادرة على نشر خبر إلى ملايين الناس؛ أصبح كل واحد منا مسؤولا عن الحقيقة؛ فكل مشاركة، وكل إعادة نشر، وكل كلمة نتداولها، قد تكون لبنة في بناء الوعي، وقد تكون معولا في هدمه؛ ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل خبر هو: هل هذا صحيح؟ وليس: هل هو مشهور؟ والسؤال الذي ينبغي أن يسبق كل إعجاب هو: هل قام عليه دليل؟ وليس: كم شاهده الناس؟
إن أعظم ثروة تملكها الأمم ليست النفط، ولا الذهب، ولا كثرة السكان؛ وإنما العقل الحر، والضمير الصادق، والعلم الرصين، والقدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية.
وحين نستعيد احترام الدليل، ونعيد الاعتبار للعلم، ونزن الرجال بإنجازاتهم لا بضجيجهم، ونقدم البرهان على الشعارات؛ عندها فقط نكون قد بدأنا أول خطوة في طريق نهضة حقيقية، لا تصنعها الأوهام؛ بل يصنعها الصادقون الذين يعملون بصمت، ويتركون أعمالهم تتحدث عنهم؛ لأن الحقيقة لا تحتاج إلى صخب كي تثبت وجودها؛ وإنما تحتاج إلى عقول تعرف كيف تميز بينها وبين الدعاية.
نسأل الله أن يرينا الحق حقا وأن يرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل.
ودمتم سالمين!