كتابات وآراء


الخميس - 13 أغسطس 2026 - الساعة 11:19 م

كُتب بواسطة : حسن الكنزلي - ارشيف الكاتب


في إحدى القرى، يقف مزارع أمام بئره التي روت أرضه كانت تروي أرضه، ينظر إلى مؤشر المضخة التي تغوص أعمق فأعمق، بينما الماء يتهرب كأنه يختبئ من جشع البشر. في الجهة المقابلة، في مدينة كبرى، يدير شاب صنبورا في مسجد ليتوضأ، فيترك الماء يتدفق كأنه ينتمي إلى نهر لا ينضب، غير عابئ أن كل قطرة تهدر هي قطرة كان يمكن أن تروي حقلا أو تنعش بئرا.

هذه ليست حكايتين منفصلتين؛ بل وجهان لعملة واحدة ندفع ثمنها جميعا؛ فالماء في ثقافتنا ليس مجرد مادة فيزيائية؛ بل آية كونية ونعمة إلهية؛ لكننا أحطناها بسياج من التناقض: نقدسها في الكلام ونهدرها في الأفعال.

المفارقة التي تغيب عن كثيرين أن أزمة الماء ليست بالضرورة أزمة ندرة مطر؛ بل أزمة إدارة واستهلاك؛ فالمياه الجوفية التي نعتمد عليها في شريان حياتنا ليست بحيرة لا تنضب؛ بل هي بنك ادخاري محدود، نضخ منه اليوم أكثر مما يعود إليه من مياه السيول والأمطار. وفي مناطق كثيرة، أصبح ما نستخرجه من باطن الأرض يزيد على ما يُغذّيه من السماء، وكأننا نسحب من رصيد لا ندخر له.
لكن العجب الأكبر أن بعضنا يظن أن الحل يكمن في المزيد من المضخات والطاقة الشمسية الرخيصة، متناسيا أن الشمس التي أنارت مضخاتنا قد تكون سببا في إطفاء آبارنا. فالتكنولوجيا حين تنفصل عن الوعي تتحول من نعمة إلى نقمة، ومن أداة للرخاء إلى سلاح للاستنزاف.

لو حاولنا توزيع مسؤولية الأزمة، لوجدنا أن كل طرف يلقيها على الآخر. المزارع يقول: أنا أُطعم الناس، والماء وسيلتي. ورب الأسرة يقول: أتعني قطرة الماء التي في بيتي؟! والمسجد يقول: نحن نعلّم الناس، لكنهم لا يتعلمون.
لكن الحقيقة أن الجميع مشتركون في دماء هذا النهر الخفي. فالمزارع الذي يروي أرضه بالغمر وكأن الماء لا يكلفه سوى تشغيل المضخة، يغفل أن النبات ليس كالإنسان يزداد عطشا كلما شرب؛ بل له حد إذا تجاوزه انقلبت الزيادة ضررا: تربة تغرق، وأملاح تتراكم، ومحصول يضعف. إنه وهم الخصوبة الذي يتحول إلى عقاب.
وفي الجانب الآخر، نرى استهلاكا منزليا لا يختلف كثيرا في روحه عن إسراف المزرعة. صنبور مفتوح أثناء تنظيف السيارة، وخزان يفيض دون مبالاة، وغسل لا حاجة له؛ لكن الأكثر إيلاما هو ذلك المشهد المتكرر في دورات مياه المساجد: رجل يقف ليتوضأ عبادة، فيُسرِف في الماء إسراف من لا يخشى الفقر ولا يرجو الثواب! يتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم بالمدّ – وهو ما يعادل ملء كفي اليدين – ونحن نفتح الخزانات كأننا نغسل ذنوبا لا تُمحى إلا بغرق الأرض.

غير أن جوهر الأزمة يتجاوز الإسراف الفردي إلى خلل في منظومة العدالة المائية. حين يُعامَل المستهلك القليل والمستهلك الكثير معاملة واحدة، يتحول الظلم إلى مؤسسة. فذلك المواطن الذي يوفّر الماء طوال الشهر يجد فاتورته مثل جاره الذي يهدره كأنه يستحم في النيل، وهنا تنهار القناعة ويتحول الترشيد إلى تضحية غير مجدية.
العدل الحقيقي ليس في أن يدفع الجميع ثمن الماء متساويا؛ بل في أن يتحمل كل تكلفة استهلاكه الحقيقي، مع مراعاة الفقير والمحتاج. فالماء ليس مجرد سلعة تشتريها وتستعملها كيف شئت؛ بل هو ملك عامٌ ومشاع بين الناس، كما قال صلى الله عليه وسلم: «المسلمون شركاء في ثلاث: في الكلأ والماء والنار»؛ فمن حفر بئرا لا يعني أنه امتلك الحوض الجوفي كله، ومن استطاع أن يضخ بعمق لا يعني أنه أُذن له أن يستنزف موردا يحتاج إليه جاره من بعده.

في خضم هذا الجفاف الروحي والمادي؛ يظن بعضنا أن الحل إما دعاء خالص أو علم محض. لكن المؤمن الحقيقي لا يفصل بينهما؛ فهو يدعو ربه ويعمل بيديه، ويستغفر ويخطط، ويتوكل ويأخذ بالأسباب. لقد أنزل الله الماء بقدر، كما قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ}. والآية لا تتحدث فقط عن قدرة الله على الإنزال؛ بل عن سنته في الإسكان: أن يُحفظ الماء في باطن الأرض، كأنه يدعونا إلى أن نُحسن استقباله وحفظه لا أن نتركه ينزلق إلى البحر هدرا.
ولذلك نحن بحاجة إلى سدود وحواجز، وإلى دراسة مجاري السيول علميا، وإلى تحويل مياه الأمطار من خطر عابر إلى مخزون دائم. ونحتاج إلى تبني تقنيات الري الحديثة كالتنقيط، وإلى استخدام الملش والشاش الزراعي لتقليل التبخر، وإلى الاستفادة من مخلفات المزرعة في إنتاج السماد العضوي الذي يحتفظ بالرطوبة. لكن الأهم من كل ذلك هو أن تتحول هذه الحلول من مشاريع منعزلة إلى ثقافة عامة، ومن نصائح عابرة إلى سياسات ملزمة، ومن كلام في خطب الجمعة إلى سلوك في بيوتنا ومدارسنا ومساجدنا.

وإذا تحدثنا عن تقنيات الاستمطار؛ فعلينا أن نضعها في سياقها الصحيح: ليست صناعة للمطر من العدم، ولا تحديا لقدرة الخالق؛ بل محاولة لتعزيز الهطول من سحب قائمة حين تتوافر الظروف. العلم لا ينازع المشيئة الإلهية؛ بل يكشف شيئا من سنن الله في الكون؛ لكن التحذير الذي لا بد منه: لو زاد المطر ولم نحسن حصاده؛ فما الفائدة؟ لو نزلت السيول وذهبت إلى البحر وبقيت الآبار تنخفض، فأي شيء صنعنا؟!
لذلك، ينبغي أن تكون زيادة الهطول جزءا من منظومة متكاملة: سدود وحواجز، وبحيرات تخزين حيث تسمح الطبيعة، ومشاريع لتغذية الأحواض الجوفية، وتوعية مجتمعية تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والماء.

في النهاية، الماء ليس مجرد أزمة موارد؛ بل مرآة لأخلاقنا كمجتمع. إنه اختبار حقيقي لمدى وعينا بأن النعم لا تبقى إلا بشكرها، وأن الشكر ليس كلمات تتردد على الألسنة؛ بل أفعال تترجم في الأرض. فالماء الذي ننتظره في خزاناتنا بدأ رحلته من السماء، وسينتهي إما إلى أنهار تروي أو صحارى تجف، بحسب ما نصنع.
وما أحوجنا اليوم إلى وقفة استسقاء حقيقية، ليست مجرد رفع أكف؛ بل صحوة ضمير ومراجعة جذرية لعاداتنا. فليست القضية أن نقول: اللهم اسقنا، ثم نعود إلى صنابيرنا المفتوحة. ولا أن نطلب البركة ونحن نستنزف النعمة. التوبة الحقيقية هي أن نصلح التسرب في بيوتنا، وأن نعلّم أبناءنا في المساجد والمدارس أن قطرة الماء أمانة، وأن يكون المزارع حارسا للحوض لا مستنزفا له، وأن تضع الدولة خططا تحوّل مياه السيول من خطر إلى خير، وأن يشعر كل إنسان أن استهلاكه اليوم قد يحرم منه طفلا غدا أو قرية بأكملها؛ لأن الماء حين يغادر، لا يغادر وحده؛ يغادر معه الأمل، ويغادر معه المستقبل. وكل قطرة نهدرها اليوم، هي قطرة نسرقها من أحفادنا؛ قبل أن نسرقها من أنفسنا.

والذي جعل للدواء أثرا هو الله، والذي جعل للمطر سننا هو الله، والذي فتح أبواب العلم هو الله؛ فلا نعبد الأسباب؛ ولكن لا نتركها. ونجمع بين الدعاء والعمل، وبين التوكل والتخطيط، وبين الاستغفار وإصلاح الأرض؛ لعله يغير ما بأنفسنا، فيغير ما بأرضنا، وينزل علينا من السماء ماء مباركا، ويجعل لنا من الأرض عيوناً وأنهارا.