الإثنين - 03 أغسطس 2026 - الساعة 12:53 ص
لم تكن الأمم العظيمة يوما تُقاس بما تملكه من ثروات فحسب؛ وإنما بما تحسن زراعته في أرضها، وغرسه في عقول أبنائها، وصناعته في مستقبلها. فالأرض التي تُنبت الخير تُنبت معه الكرامة، واليد التي تتعب في الحقول تبني الأوطان بصمت، بينما تهدمها عادات تستنزف الوقت والماء والإنسان.
واليمن، هذا البلد الذي علم الجبال كيف تتحول إلى مدرجات خضراء، لم يعرف عبر تاريخه قيمة الأرض باعتبارها مصدر رزق فحسب؛ بل باعتبارها جزءا من الهوية وذاكرة المكان. كانت الحقول تحكي قصة الإنسان اليمني الكادح، وكانت الأشجار تروي للأجيال حكاية الصبر والعمل، حتى أصبح اسم اليمن مرتبطا في أنحاء العالم بمنتجات حملت رائحة الأرض وبركة العرق، وفي مقدمتها البُن اليمني الذي خرج من سفوح الجبال ليصبح رمزا للجودة والأصالة.
لكن المشهد تبدل كثيرا؛ فبينما كانت الأرض تنتظر ما يغذي الإنسان ويصنع المستقبل، تمددت زراعة استنزفت الماء والوقت والمال، حتى غدت قضية القات تتجاوز كونها محصولا زراعيا؛ لتصبح قضية تمس الاقتصاد، والأسرة، والتعليم، والصحة، والبيئة، بل ومستقبل وطن بأكمله.
والقضية ليست صراعا بين شجرتين، ولا خصومة مع مزارع يبحث عن رزقه؛ وإنما هي سؤال كبير عن الطريق الذي نريد أن نسلكه: هل نبني اقتصادا يقوم على الإنتاج، أم نستسلم لدائرة استهلاك لا تنتهي؟
لقد جعل الإسلام عمارة الأرض رسالة للإنسان؛ قبل أن تكون مهنة، فقال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، وكأن الآية تمنح كل إنسان عهدا بأن يكون بنّاء لا مفسدا، ومنتجا لا مستنزفا.
ولذلك لم يكن غرس الشجرة في ميزان الإسلام مجرد عمل زراعي؛ بل عبادةٌ يمتد ثوابها ما دام الخير يصل إلى الناس. فما أجمل أن تتحول شجرة إلى صدقة جارية، وأن يصبح تعب الفلاح عبادة تثمر في الدنيا وأجرا في الآخرة.
غير أن المؤلم اليوم ليس فقط اتساع رقعة زراعة القات؛ بل اتساع الثقافة التي رافقتها؛ ثقافة تستهلك الساعات الطويلة من أعمار الناس، وتقتطع جزءا كبيرا من دخولهم، وتؤجل الأعمال، وتؤخر الطموحات، حتى أصبح كثير من البيوت يدفع ثمن هذا الاعتياد بصمت.
كم من طفل ينتظر والده فلا يجده إلا مع نهاية يومٍ استهلكته المجالس! وكم من أم تحمل وحدها مسؤولية البيت والتربية! وكم من شاب ذبلت أحلامه؛ لأن وقته تسرّب حيث لا يعود منه شيء! فالإنسان لا يخسر المال وحده؛ وإنما يخسر أثمن ما يملك: عمره.
والعمر هو رأس مال الإنسان الحقيقي، وهو النعمة التي لا يمكن تعويضها؛ إذا مضت؛ ولذلك لم يكن عجيبا أن يجعل الإسلام السؤال عن العمر من أول ما يُسأل عنه الإنسان يوم القيامة.
ثم إن الخسارة لا تقف عند حدود الوقت؛ بل تمتد إلى الاقتصاد نفسه. فالأموال التي تُستهلك يوميا في عادة لا تصنع قيمة مضافة، كان يمكن أن تتحول إلى مصانع، أو مشاريع صغيرة، أو تعليم، أو استثمارات تفتح أبواب الرزق لآلاف الشباب. فاقتصاد الأمم لا يقوم على ما يُستهلك، وإنما على ما يُنتج ويُصدر ويخلق فرص العمل.
أما الماء؛ فهو الحكاية الأكثر إيلاما؛ ففي بلد يعاني تراجعا مستمرا في مخزونه المائي، تصبح كل قطرة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون قضية اقتصادية. وحين تُستنزف المياه الجوفية في زراعات لا تحقق تنمية مستدامة، فإننا لا نستهلك حاضرنا فقط، بل نستعير من حق أبنائنا وأحفادنا في الحياة.
ومن هنا يبدو البُن اليمني أكثر من مجرد محصول زراعي؛ إنه فرصة لاستعادة قصة كادت تُنسى؛ فهذه الشجرة التي تحتاج صبرا، تمنح في المقابل خيرا طويل الأمد، وتفتح أبواب التجارة، والتصدير، والتصنيع، والسياحة الزراعية، وتحمل اسم اليمن إلى الأسواق العالمية باعتزاز.
ولعل أجمل ما في البُن أنه لا يقدم ربحا سريعا بقدر ما يصنع مستقبلا مستقرا. إنه يعلّم الإنسان أن الثمار الكبيرة لا تنضج في يوم، وأن البناء الحقيقي يحتاج إلى صبر، تماما كما تحتاج الأوطان إلى سنوات من العمل حتى تستعيد عافيتها.
إن التحول نحو الزراعة المنتجة لا ينبغي أن يكون قرارا عاطفيا أو صداما مع المزارعين الذين يعيشون ظروفا اقتصادية صعبة،؛ بل مشروعا وطنيا متدرجا، تشارك فيه الدولة، والمؤسسات، والقطاع الخاص، والإعلام، والعلماء، والمجتمع بأسره. فالمزارع لا يحتاج إلى المواعظ وحدها؛ بل إلى التمويل، والإرشاد، والأسواق، والتسويق العادل، وضمان أن يجد في المحصول البديل حياة كريمة له ولأسرته.
كما أن الإعلام مدعو اليوم إلى صناعة صورة جديدة للبطل الحقيقي؛ بطل يحمل معوله لا سلاحه، ويزرع شجرة لا عادة، ويبني مستقبلا بدل أن يستهلكه؛ فالنهضة تبدأ حين يكبر الأطفال وهم يرون في الفلاح المنتج قدوة، وفي العمل شرفا، وفي الأرض أمانة.
وليس المقصود من الدعوة إلى إحياء البُن أن نتحدث عن محصول بعينه؛ وإنما أن نستعيد فلسفة الإنتاج، وأن نعيد الاعتبار لكل زراعة نافعة تحفظ الماء، وتطعم الناس، وتفتح أبواب الرزق، وتمنح الوطن استقلاله الاقتصادي.
واليمن لا تنقصه الأرض، ولا الخبرة، ولا الإنسان المجتهد؛ وإنما يحتاج إلى وعي جديد يعيد ترتيب الأولويات، ويؤمن بأن المستقبل لا يُشترى؛ بل يُزرع.
وبين شجرةٍ تمنح الوطن اسما، وأخرى تستنزف كثيرا من موارده؛ يبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل يمني على نفسه:
أي مستقبل نريد أن نورثه لأبنائنا؟ فالبلاد التي تزرع الخير؛ تحصد الكرامة، والأمم التي تحسن استثمار أرضها؛ تحفظ حاضرها وتصنع مستقبلها. وما تزال أرض اليمن قادرة على أن تعود كما كانت؛ خضراء بالعطاء، عابقة برائحة البُن، نابضة بالأمل؛ إذا اجتمع صدق الإرادة مع حسن العمل.